أبو نصر الفارابي
98
آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها
مبصرا بالفعل وبصيرا بالفعل ؛ وتصير الألوان ، بذلك الضوء ، مبصرة مرئية بالفعل بعد أن كانت مبصرة مرئية بالقوة . كذلك هذا العقل الذي بالفعل يفيد العقل الهيولاني شيئا ما يرسمه فيه . فمنزلة ذلك الشيء من العقل الهيولاني منزلة الضوء من البصر . وكما أن البصر بالضوء نفسه يبصر الضوء الذي هو سبب ابصاره ، ويبصر الشمس التي هي سبب الضوء به بعينه ، ويبصر الأشياء التي هي بالقوة مبصرة فتصير مبصرة بالفعل ، كذلك العقل الهيولاني فإنه بذلك الشيء الذي منزلته منه منزلة الضوء من البصر ، يعقل ذلك الشيء نفسه ، وبه يعقل العقل الهيولاني العقل بالفعل الذي هو سبب ارتسام ذلك الشيء في العقل الهيولاني ، وبه تصير الأشياء التي كانت معقولة بالقوة معقولة بالفعل ، ويصير هو أيضا عقلا بالفعل بعد أن كان عقلا بالقوة . وفعل هذا العقل المفارق في العقل الهيولاني شبيه فعل الشمس في البصر ، فلذلك سمي العقل الفعّال . ومرتبته من الأشياء المفارقة التي ذكرت من دون السبب الأول المرتبة العاشرة . ويسمى العقل الهيولاني العقل المنفعل . وإذا حصل في القوة الناطقة عن العقل الفعّال ذلك الشيء الذي منزلته منها منزلة الضوء من البصر ، حصلت حينئذ عن المحسوسات التي هي محفوظة في القوة المتخيلة معقولات في القوة الناطقة ؛ وتلك هي المعقولات الأولى التي هي مشتركة لجميع الناس ، مثل أن الكل أعظم من الجزء ، وأن المقادير المساوية للشيء الواحد متساوية « 1 » .
--> ( 1 ) العقل الفعّال يمنح القوة الناطقة شيئا منزلته منها منزلة الضوء من البصر . وحينئذ تحصل في القوة الناطقة المعقولات الأولى المشتركة لجميع الناس مثل الكل أعظم من الجزء . . . الخ .